الشيخ محمد مهدي الكجوري الشيرازي

232

الاجتهاد والتقليد

عيش بني آدم ، إن قلنا بعينيّته ، فإنّ الناس بعد ما اشتغلوا جميعا بمعرفة موارد الإجماعات وسائر الأدلّة ، يختلّ أمور معاشهم جميعا ، حتّى إنّا وإن قلنا بكفاية ما اكتفوا به الفقهاء تقليدا ، للزم العسر أيضا ، كما لا يخفى . مضافا إلى أنّ التقليد في الدليل تقليد في المدلول ، فعلى فرض التقليد في الدليل ، يلزم التقليد في الأحكام ، مع أنّهم اكتفوا بهذا القدر من الاجتهاد تحاشيا عن التقليد ، لكونه عملا بما وراء العلم . مضافا إلى أنّه على قول المعتزلة ، زيادة على العسر والحرج على الناس ، يلزم التكليف بما لا يطاق ، لأنّ أكثر العوام غير متمكّنين عن الترجيح بين الأدلّة ، كما في أكثر النساء والعوام . مضافا على لزوم العسر والحرج على العالم الذي يبيّن الأقوال والأدلّة للعوام . مضافا إلى أنّ تبيّن اجتهاد المسؤول عنه متعذّر أو متعسّر لأكثر العوام . وكيف ما كان ، عدم لزوم الاجتهاد على وجه العينيّة على كلّ أحد ، بيّن لمن كان له أدنى بصيرة . إنّما الإشكال في أنّه واجب عينيّ على الطلّاب المستعدّين أولى القوّة ، أم لا ؟ الحقّ : تساويهم بالذات مع العوام في الوجوب الكفائي ، نعم قد يصير الواجب الكفائي للعوارض واجبا عينيّا ، كما في من يقدر على تجهيز الميّت دون غيره ، فإنّه مع كون التجهيز واجبا كفائيّا على القادر واجبا عينيّا ؛ فلو فرضنا خلوّ الدهر من المجتهد ، وكان في البين عصبة مستعدّون ، يلزم عليهم الاجتهاد عينا ، لاختلال النظم لو قلنا بتساويهم مع غيرهم . ولا يخفى أنّ الوجوب يسقط من الباقين ، على فرض وجود المجتهد على قدر يقوم به الكفاية ، فلو كان مجتهد واحد ولا يسدّ الاحتياج به ، لا يسقط الوجوب الكفائي عن الآخرين ، بل الكلّ آثمون على الترك ، كما أنّه في الجهاد لو قام الكفاية لعشرة آلاف مثلا ، وتصدّى للجهاد ألف ، لا يسقط الوجوب عن الباقين حتّى يتصدّى له